المقريزي

388

إمتاع الأسماع

رسولهم إليه صلى الله عليه وسلم بالحديبية - : لقد وردت على النجاشي وقيصر وكسرى ، ورأيت حديثهم وأتباعهم ، [ فما ] ( 1 ) رأيت أطوع ولا أوقر ولا أهيب من أصحاب محمد لمحمد ، [ هم ] ( 1 ) حوله وكأن الطير على رؤوسهم ، فإن أشار بأمر بادروا إليه ، وإن توضأ اقتسموا وضوءه ، وإن تنخم دلكوا بالنخامة وجوههم وجلودهم ، وكانوا له صلى الله عليه وسلم بعد موته أطوع منهم في حياته ، حتى لقد قال بعض أصحابه : لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنهم قوم أسلموا من خوف الله ، وأسلم الناس من خوف أسيافهم . فتأمل - رحمك الله - كيف استفتح صلى الله عليه وسلم دعوته وهو ضعيف وحده بأن قال : هذا سيكون فكان كما قال ، بحيث رآه العدو والولي ، وما كان مثله في ذلك إلا مثل من قال : هذه الهباءة تعظم وتصير جبلا يغطي الأرض كلها ، ثم أنذر الناس بها في حال ضعفها ، فكان كما أنذر ، فعلم أن ذلك من فعل الله الذي لا يقدر عليه سواه ، ولا يفعله إلا إياه جلت قدرته . فإن سيرة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة ، وتشهد أنه رسول الله ، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته لكفي ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم نشأ في بلاد الجهل ، لا يقرأ ولا يكتب ، ولا خرج عن تلك البلاد إلا مرتين : إحداهما وهو صبي مع عمه إلى أول الشام ، والأخرى أيضا إلى أول الشام ، ولم يطل بها المقام ، ولا فارق قومه ، ثم أوطأه الله تعالى رقاب العرب فلم تتغير نفسه ، ولا مالت به . ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه - ذات الفضول - مرهونة في أصواع ( 2 ) من شعير ، [ و ] ( 3 ) لم يتسبب صلى الله عليه وسلم إلى شئ من أذى اليهود - وهم أعداؤه - ولا يعرض لذم أحد منهم ولا إلى ماله ، بل ودا ( 4 ) الأنصاري من عند نفسه مائة ناقة ، وهو صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى بعير واحد يتقوى به ، وهذا أمر لا تسمح به نفس ملك من ملوك الأرض وأهل الدنيا بوجه من الوجوه .

--> ( 1 ) زيادة للسياق . ( 2 ) جمع صاع . ( 3 ) زيادة للسياق . ( 4 ) ودا : دفع دية